معابر الجمعية التونسية للفنون والآداب والتثاقف المغاربي المتوسطـي
PASSERELLES Association Tunisienne des Arts, des Lettres et de l'Inter-culturalité Maghreb/Mediterranée

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

حبّ على حافّة الوشم :مجموعة قصصيّة للقاصّ فتحي العكرمي



حبّ على حافّة الوشم :مجموعة قصصيّة للقاصّ فتحي العكرمي
تقديم الرّوائي التّونسي محمد حيزي . صادرة بمصر عن دار ابداع.

منذ البداية يدرك القاص أنّ شخصياته المضروبة في هويتها والمجتثّة من بيئتها والمطاردة دائما في قهر حادّ تجترّ ضيمها وأوجاعها مستسلمة ثائرة أحيانا قابعة على هامش حرائقها. يستدعي الكاتب تاريخا مضى بحثا عن أصل مفقود غيّب وكاد يمحى وفي صرخة كلّ قصّة هناك غصّة ما تقتات كلّ ما حولها فتربكك وتدفعك دفعا للحفر في ذلك الهامش المهمل فكما لو أنّها تستفحل فيك وتفرض عليك إماطة لثام ما حتّى تكتشف وتعرّي المستور . يلج المسكوت عنه ويتناول أقدارا استشرى فيها الحقد والوجع والإقصاء وأحيانا الذّبح الّذي يوغل في هتك ما تبقّى .
من قصّة إلى أخرى نعيش حالة تيه ووجع يليه آخر في تقصّ ذابح لشخصيات مهمّشة يتربّص بها القهر أين توجّهت في هذا الزّمن الخائب الّذي فقد ملامحه ويسعى لتركيع ما حوله أو تخوينهم أو إقصاءهم بكلّ الطّرق رافضا وجودهم ورؤاهم وأحقّيتهم في المواجهة والحرّية والاختلاف وحفر مصير فارق عن قطيع أشبه بكائنات الجدار الّتي تمضي دون أن ترفع هاماتها أو تقول لا عاليا . الفقد والمصير الموجع مع أسئلة مرّة تستدرج واقعا ذابحا سبل يمضي فيها الكاتب ليستفزّ السّكينة في رفض للصّمت المخيّم من حولنا . إنّه رافض وساخط إلى أقاصيه في لغة تستدعي كلّ ما هو قادر على حمل ما لا يقوى على تحمّله . أسئلة تصرخ وتصيح عاليا وتوجّه أصابع الاتّهام إلى ذلك الكاسد الهامد الّذي لا يرغب في الحركة أو الفعل او التغيير .
يجرّنا الكاتب الى طرح السّؤال : هل العبثيّة مجرّد نزوة أم أنّ سيزيف في حالة الهتك الّتي عاشها إحالة أخرى على ما نمرّ به اليوم من تشتّت تسلّل إلينا بغتة وفي غفلة منّا وحوّلنا إلى مزق على حافّة انهيار. هناك نافذة أخرى يشرّعها القاصّ حتّى نثور فعلا ونرمّم ما ضاع ونندفع إلى الأمام ونصرّ على الفعل الّذي يؤسّس ذلك الغد الوارف . من نصّ لآخر هناك ترميم لما تصدّع داخلنا في لهفة لتجلّ ما .
من هتك إلى فقد إلى اغتصاب يرحل بنا الكاتب إلى مضارب شتّى ساخرا منّا في سوداوية مريرة. إنّ قاصّنا يتّهمنا بلا مواربة بكوننا مكبّلين بصمتنا عاجزين عن الصّدام مع ذلك الّذي يصفعنا كلّ يوم ويحوّلنا إلى حالات خرس تتعاقب ويجبرنا على الاستسلام ويركم في صدورنا الخوف حتّى نغرق فلا نبلغ ما نتوقّع في تبطين بالغ تفاجئنا سخريّة القاصّ ويشير إلينا قائلا : " أنتم كمن ينطح الصّخر برأسه أو كمن يدلق الماء في إناء فعم " . ويغرق في تناول الحرّية كمطلب ساذج في راهن لم يتعوّد عليها ولم يمارسها بعد ويدّعي أنّ وعيه على قدر كبير بها فتتبدّى لنا العمليّة أشبه بالحراثة في الماء. هل هي الفوضى القائمة الآن ؟ هل هي الثّورة بصدد إفراز تراكمات الماضي. تبدو الأسئلة ضاربة مع كلّ جملة تنفلت ومع كلّ صورة تتبدّى ومع كلّ مقطع حواريّ يتحرّر من رجس واقع محاط بالجهل والفقر والقهر. هل يريد القاصّ أن يربكنا ويقول لنا إنّ هذه التّربة لا يمكن أن تمتلئ بنا إلاّ إذا أعددنا لها حاجتها وإمكانية قبولها بنا تستدعي صبرا قد يطول . تظلّ الحرّية هاجسا في أغلب القصص وملاذا عسيرا وأسئلة تتراكم تباعا في صراخ عال يخيّم عليه صمت جاثوم مفزع وينخره من يهفو لاستعادة قرون مضت قامت على الكبت والتّحريم والتّكفير وسط مضغ مريب لكلّ ما تحقّق من حداثة فارقة رغم سنوات المنع والاعتقال والصّدإ وجبروت من أقعى فوقنا وهتكنا عميقا .
يظهر الحبّ كحاجة إنسانيّة لا يدمَّر بل يظلّ قائما وبإمكاننا أن نبعثها ولو من القبر متهكّما كقصصه السّابقة من رجس ما هو قائم مرمّما في عاطفة متأجّجة قيما قد أدركها الدّمار لكنّه يحتفي رغم كلّ الحدّة الذّابحة بما يمكن أن يحصل من رؤى أخرى قد تؤسّس لكائن قادر على الذّكرى بكلّ مرارتها وبعث فرص منفلتة من قيدها لتحطيم القمقم الّذي يتنكّر للآتي ويرفضه هكذا يفتح بابا الآن وهنا ويحرّر أبطاله من التّقوقع والهروب كما لو أنّه كره مصائرهم وسوداويتهم وانخرامهم الدّائم كلّما واجهوا واقعهم واستسلموا في رضوخ له.
في القصص هنالك مراوحة بين الرّفض وإقصاء الآخر والتّهميش ومنقعة الوحدة وركم الأسئلة من خرم دقيق ويختفي وراء شخوص تتحرّك في عسر جارّة خلفها خيباتها وأوجاعها ثائرة حينا خاضعة أحيانا مدبرة عائدة تحاول جمع مزقها حتّى تستمرّ في جوّ مشحون بكآبة ضاريّة مترصّدة في ترميز لواقعنا المتصدّع المخيف محاولة الإشارة إلى مواطن الوهن المريبة حولنا ولا يعدو أن يكون ذلك صراخا في متاريس الصّمت الّتي تتراءى مشبعة بالأصوات العالية ولعلّ العتمة الّتي استولت عليه ستتبدّى تجلّيا مع صباح آخر يحتفي بالجمال.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق